الجاحظ
128
المحاسن والأضداد
المسير إلى عبد الملك ، فأخرج عمارة معه وعمارة يومئذ على أهل فلسطين أمير ، فلم يزل يلطف بالحجاج في مسيره ويعظه حتى قدموا على عبد الملك ، فلما قامت الخطباء بين يديه وأثنت على الحجاج قام عمارة فقال : يا أمير المؤمنين سل الحجاج عن طاعتي ومناصحتي وبلائي ، قال الحجاج : يا أمير المؤمنين صنع وصنع ومن بأسه ونجدته وعفافه كذا وكذا وهو أيمن الناس نقيبة وأعلمهم بتدبير السياسة ولم يبق في الثناء عليه غاية . فقال عمارة : قد رضيت يا أمير المؤمنين ، قال : نعم فرضي اللّه عنك حتى خالها ثلاثا في كلها يقول قد رضيت ، قال عمارة : فلا رضي اللّه عن الحجاج يا أمير المؤمنين ولا حفظه ولا عافاه فهو واللّه السيّئ التدبير الذي قد أفسد عليك أهل العراق وألب الناس عليك وما أتيت إلّا من قبله ومن قلة عقله وضعف رأيه وقلة بصره بالسياسة ، فلك واللّه أمثالها إن لم تعزله ، فقال الحجاج : مه يا عمارة ، فقال : لا مه ولا كرامة كل امرأة له طالق وكل مملوك له حر إن سار تحت راية الحجاج ابدا ، قال : إني أعلم أنه ما خرج هذا منك إلّا عن معتبة ولك عندي العتبي وأرسل إليه ، فقال : ما كنت أظن أن عقلك على هذا أرجع إليه بعد الذي كان من طعني عليه وقولي عند أمير المؤمنين ما قلت فيه : لا ولا كرامة . وضده ، قيل : هو أحمق من عجل ، وهو عجل بن لجيم ، وذلك أنه قيل له : ما سميت فرسك ؟ ففقأ عينه وقال : سميته الأعور ، فقام الشاعر فيه : رمتني بنو عجل بداء أبيهم * وأي امرئ في الناس أحمق من عجل أليس أبوهم عار عين جواده * فصارت به الأمثال تضرب في الجهل وقيل : هو أحمق من هبنقة « 1 » ، وبلغ من حمقه أنه ضل له بعير فجعل
--> ( 1 ) اسمه يزيد بن ثوران القيسي ، وكنيته أبو نافع . شرد له بعير فقال : من جاء به فله بعيران ، فقيل له : أتجعل في بعير بعيرين ؟ فقال : إنكم لا تعرفون فرحة الواجدان ( البيان والتبيين ، الجزء الثاني ، ص 167 ) . وقد عقد الجاحظ بابا واسعا في أخبار النوكى . ص 155 - 190 .